ابن قيم الجوزية

116

البدائع في علوم القرآن

وقد احتج غير واحد من الأئمة ، منهم الشافعي - رحمه اللّه تعالى - على جواز الأنواع المأثورة في التشهدات ونحوها بالحديث الذي رواه أصحاب الصحيح والسنن وغيرهم عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أنزل القرآن على سبعة أحرف » « 1 » . فجوز النبي صلى اللّه عليه وسلم القراءة بكل حرف من تلك الأحرف ، وأخبر أنه شاف كاف ، ومعلوم أن المشروع في ذلك أن يقرأ بتلك الأحرف على سبيل البدل لا على سبيل الجمع ، كما كان الصحابة يفعلون « 2 » . النهي عن التنطع والغلو في النطق بالحرف قال محمد بن قتيبة في « مشكل القرآن » : « وقد كان الناس يقرءون القرآن بلغاتهم ، ثم خلف من بعدهم قوم من أهل الأمصار وأبناء العجم ليس لهم طبع اللغة ، ولا علم التكلف ، فهفوا في كثير من الحروف . وزلّوا فأخلوا ، ومنهم رجل ستر اللّه عليه عند العوام بالصلاح ، وقربه من القلوب بالدين . فلم أر فيمن تتبعت في وجوه قراءته أكثر تخليطا ولا أشد اضطرابا منه ، لأنه يستعمل في الحرف ما يدعه في نظيره . ثم يؤصل أصلا ويخالف إلى غيره بغير علة ، ويختار في كثير من الحروف ما لا مخرج له إلا على طلب الحيلة الضعيفة ، هذا إلى نبذه في قراءته مذاهب العرب وأهل الحجاز ، بإفراطه في المد والهمز والإشباع ، وإفحاشه في الإضجاع والإدغام ، وحمله المتعلمين على المذهب الصعب ، وتعسيره على الأمة ما يسره اللّه تعالى ، وتضييقه ما فسحه . ومن العجب أنه يقرئ الناس بهذه المذاهب ، ويكره الصلاة بها . ففي أي موضع يستعمل هذه القراءة ، إن كانت الصلاة لا تجوز بها ؟ وكان ابن عيينة يرى لمن قرأ في صلاته بحرفه ، أو ائتمّ بإمام يقرأ بقراءته أن يعيد ، ووافقه على ذلك كثير من خيار المسلمين ، منهم بشر بن الحارث ، والإمام أحمد بن حنبل ، وقد شغف بقراءته عوام الناس وسوقتهم . وليس ذلك إلا لما يرونه من مشقتها وصعوبتها ، وطول اختلاف المتعلم إلى المقرئ فيها . فإذا رأوه قد اختلف في أم الكتاب عشرا ، وفي مائة آية شهرا ، وفي السبع الطوال حولا ، ورأوه عند قراءته مائل الشدقين ، دار الوريدين ، راشح الجبين ، توهموا أن ذلك لفضله في القراءة وحذقه بها » « 3 » .

--> ( 1 ) البخاري ( 4992 ) في فضائل القرآن ، باب : أنزل القرآن على سبعة أحرف ، ومسلم ( 818 / 270 ) في المسافرين ، باب : بيان أن القرآن على سبعة أحرف ، وبيان معناه . ( 2 ) جلاء الأفهام ( 190 - 191 ) . ( 3 ) تأويل مشكل القرآن ( 59 - 60 ) وأشار محققه إلى أنه يقصد حمزة بن حبيب الزيات ، وقد قال الذهبي : الإمام القدوة شيخ القراءة ، قال الثوري : ما قرأ حمزة حرفا إلا بأثر ، السير ( 7 / 91 ) .